ابن تيمية
169
مجموعة الفتاوى
السَّبَبُ لِكُسُوفِهَا كَمَا يَحْدُثُ عَنْ مَوْتِ بَعْضِ الْأَكَابِرِ مَصَائِبُ فِي النَّاسِ فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَكُونُ كُسُوفُهُمَا عَنْ مَوْتِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا عَنْ حَيَاتِهِ : وَنَفَى أَنْ يَكُونَ لِلْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ أَثَراً فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَأَنَّهُ يُخَوِّفُ عِبَادَهُ . فَذَكَرَ أَنَّ مِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ تَخْوِيفُ الْعِبَادِ ؛ كَمَا يَكُونُ تَخْوِيفُهُمْ فِي سَائِرِ الْآيَاتِ : كَالرِّيَاحِ الشَّدِيدَةِ وَالزَّلَازِلِ وَالْجَدْبِ وَالْأَمْطَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الأَسْبَابِ الَّتِي قَدْ تَكُونُ عَذَاباً كَمَا عَذَّبَ اللَّهُ أُمَماً بِالرِّيحِ وَالصَّيْحَةِ وَالطُّوفَانِ وَقَالَ تَعَالَى : { فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا } وَقَدْ قَالَ : { وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلَّا تَخْوِيفاً } وَإِخْبَارَهُ بِأَنَّهُ يُخَوِّفُ عِبَادَهُ بِذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبَباً لِعَذَابِ يَنْزِلُ كَالرِّيَاحِ الْعَاصِفَةِ الشَّدِيدَةِ . وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ جَعَلَ ذَلِكَ سَبَباً لِمَا يَنْزِلُ فِي الْأَرْضِ . فَمَنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : إنَّ لَهَا تَأْثِيراً . مَا قَدْ عُلِمَ بِالْحِسِّ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فَهَذَا حَقٌّ ؛ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَ بِالْعِبَادَاتِ الَّتِي تَدْفَعُ عَنَّا مَا يُرْسَلُ بِهِ مِن الشَّرِّ كَمَا أَمَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْخُسُوفِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْعِتْقِ وَكَمَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا هَبَّتْ الرِّيحُ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَتَغَيَّرَ وَأَمَرَ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ هُبُوبِهَا : " { اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُك خَيْرَ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرَ مَا